الشيخ محمد علي الأراكي

30

كتاب الطهارة

البول والعذرة والمني وغيرها أنّه لو تصاعد منها بالبخار أجزاء واجتمعت رطوبة فهي وإن لم يسم باسم تلك الأشياء لكن يشملها أدلَّة نجاسة هذه العناوين بمساعدة الفهم العرفي ، فإنّا لو خلَّينا وطبعنا العرفي الخالي عن شوائب التشكيكات ، لا نشك في أنّ معيار نجاسة هذه الأشياء بعينها موجودة في عرقها المتصاعد منها بالبخار أيضا ، وليس ذلك إلَّا لعينية . عرقها معها ذاتا وإن كان مقتضى الجمود على اللفظ الاقتصار على نفس تلك الأشياء وعدم التعدّي إلى عرقها ، لكن قضيته فهم العرف العينية والاتحاد بينها بحسب الحقيقة والذات وبين العرق بحيث لا يراهما موضوعين موجودين بوجودين مثل الإنسان والحجر هو التعدي وعدم الاقتصار ( 1 ) . وإن شئت قلت : إنّ العرف يرى ملاك الحكم بالنجاسة في عرق تلك الأشياء أيضا ، ألا ترى أنّهم في قذاراتهم يستقذرون من عرق القذر كما يستقذرون من نفسه ، ولا يفرقون في الاستقذار بين القذارات وأعراقها ، فإذا قال لهم الشارع : ما استقذرتم ليس بقذر وإنّما القذر هو كذا وكذا ، فهم يعاملون بحسب طبعهم مع هذه الأشياء معاملتهم مع تلك الأشياء ، ويفهمون أنّ ذلك هو مراد الشارع أيضا . وبالجملة فاللفظ وإن كان قاصرا لكن العرف قاض بأوسعية المراد ، هذا ولكن الحكم مع ذلك غير خال عن الإشكال وليس صافيا بمثابته في ماء القراح ،

--> ( 1 ) ويشهد على ذلك أنّا سلمنا العينية في الماء القراح ولم يحدث هنا شيء أوجب الفرق سوى الرائحة الحسنة مثلا ، ومجرّد ذلك لا يوجب اختلاف الحقيقة فلو كان ماء من أوّل خلقته ذا رائحة حسنة ، فلا يوجب ذلك تغاير حقيقته مع حقيقة سائر المياه ، فكذلك لو عرض له الرائحة بعد ما لم يكن له . وبالجملة حديث العينية بعد تسليمها مع فقد الرائحة لا يمكن إنكارها بمجرّد وجود الرائحة .